المصدر: فيتش سوليوشنز
ترجمة: صدارة للمعلومات والاستشارات
خلاصة:
استجابةً للتداعيات الناتجة عن الصراع الأمريكي–الإيراني، من المتوقع أن تعطي دول مجلس التعاون الخليجي أولوية لتعزيز قدراتها الدفاعية لمواجهة أي هجمات خارجية مستقبلية، والعمل على استعادة الثقة في قدراتها الأمنية. بالتوازي مع ذلك، ستسعى دول المجلس لتعزيز قدرة اقتصاداتها وبناها التحتية الحيوية على الصمود في وجه الصدمات الجيوسياسية. وفي جميع السيناريوهات المحتملة لنهاية الصراع، ستسعى الحكومات لاستعادة الثقة بسرعة لدى السياح والمقيمين الأجانب والمستثمرين، نظرًا لأهمية هذه القطاعات في استراتيجيات التنمية طويلة الأمد. وعلى المدى القصير، سيتجلى ذلك في زيادة الإنفاق الدفاعي وتوسيع الانخراط الدبلوماسي، بينما يُتوقع على المدى المتوسط أن تعيد دول المجلس تقييم تحالفاتها، والاستثمار في مسارات تجارية بديلة وبنى تحتية عابرة للحدود لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز.
من جهة أخرى، ستضغط حكومات مجلس التعاون على الولايات المتحدة لضمان أن أي وقف دائم لإطلاق النار يزيل التهديدات المتبقية من إيران ووكلائها، لا سيما تلك التي تستهدف أراضيها والملاحة البحرية. في الوقت نفسه، من المرجح أن تنخرط تلك الحكومات مع الصين للمساعدة في فرض مثل هذه الالتزامات، نظرًا لنفوذ بكين على طهران ومصالحها الاقتصادية الكبيرة في الخليج. ويُعتبر تقديم إيران التزامًا موثوقًا بالاستقرار الإقليمي أمرًا أساسيًا لاستعادة ثقة المستثمرين وتحسين الصورة لدى المقيمين الأجانب والسياح.
ولمعالجة التهديدات الأمنية الفورية، تعمل دول المجلس على تعزيز التعاون مع شركاء دوليين، بما في ذلك أوكرانيا، خاصة في مجالي الدفاع الجوي ومكافحة الطائرات المسيّرة. وقد عمّقت دول مثل السعودية وقطر والإمارات علاقاتها الثنائية مع كييف للاستفادة من خبرتها في مواجهة الطائرات المسيّرة المصممة إيرانيًا. وعلى المدى القريب، سيزداد الاعتماد على الولايات المتحدة، كما يتضح من صفقات السلاح الكبرى التي تمت الموافقة عليها في آذار/ مارس 2026 لصالح الإمارات والكويت والأردن. وتهدف هذه المشتريات لتعزيز قدرات الإنذار المبكر والاعتراض والاستجابة واستعادة الردع ومعالجة نقاط الضعف التي كشفتها الحرب الأخيرة.
رغم ذلك، من المرجح على المدى المتوسط أن تعيد دول مجلس التعاون تقييم اعتمادها على الولايات المتحدة؛ فقد أثارت الصراعات الأخيرة، بما فيها الهجمات على قطر عام 2025 ومضي واشنطن قدمًا في العمل العسكري رغم مخاوف دول الخليج، شكوكًا بشأن موثوقية المظلة الأمنية الأمريكية. إضافةً لذلك، فقد صار يُنظر إلى القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة ليس كعناصر حماية، بل كعوامل لإقحام دول المجلس في صراعات المنطقة. وقد تدفع هذه الديناميكيات دول الخليج إلى التساؤل إذا كانت استثماراتها السياسية والمالية في العلاقة مع الولايات المتحدة تحقق عوائد كافية.
بناءً على ذلك، من المتوقع أن تكثف دول المجلس جهودها لتنويع شراكاتها الأمنية؛ فقد أظهر الصراع أن الالتزامات العالمية للولايات المتحدة قد تُرهق مواردها العسكرية، ما يدفع دول الخليج لتعميق علاقاتها مع شركاء أقرب إلى المنطقة مثل أوكرانيا وباكستان والهند. ومع ذلك، تبقى البدائل الفعّالة للضمانات الأمنية الأمريكية محدودة، ما يضمن استمرار الاعتماد على واشنطن في المستقبل المنظور.
كما عزز الصراع مخاوف دول المجلس بشأن تنامي نفوذ "إسرائيل" الإقليمي، خصوصًا في ظل إدارة "ترامب"؛ ففي السعودية أدت التوترات بين "إسرائيل" وإيران، إلى جانب المخاوف من توسع الوجود العسكري "الإسرائيلي" في القرن الأفريقي، لتقليص احتمالات التطبيع، بل إن السعودية قد تعمل على تعزيز علاقاتها مع تركيا كعامل موازن للنفوذ "الإسرائيلي".
بالمقابل، من المرجح أن تعمّق الإمارات والبحرين، وهما من الدول الموقعة على "اتفاقيات أبراهام"، تعاونهما الأمني مع "إسرائيل"، نتيجة لتقارب تصوراتهما للتهديدات المتعلقة بإيران ووكلائها. وتظل قدرات "إسرائيل" المتقدمة في مجالات الأمن السيبراني والاستخبارات والدفاع الصاروخي ذات قيمة استراتيجية كبيرة، ورغم تزايد المخاوف بشأن دورها في الصراع، فإن الروابط الاقتصادية والأمنية القائمة، إلى جانب المصالح الإقليمية المشتركة، تجعل فك الارتباط أمرًا غير مرجح.
ورغم أن الصراع ألحق ضررًا بالعلاقات بين دول مجلس التعاون وإيران، فإن القرب الجغرافي يفرض استمرار علاقة وظيفية، وإن كانت محدودة؛ فقد فشلت الجهود الدبلوماسية ومساعي خفض التصعيد التي سبقت الحرب في منع الهجمات الإيرانية، ما كشف نقاط ضعف في النماذج الاقتصادية لدول المجلس. ومع ذلك، لم تقطع أي دولة خليجية علاقاتها الدبلوماسية مع إيران، ولم تنخرط رسميًا في العمليات العسكرية ضدها، وهو ما يعكس استمرار تفضيل إدارة المخاطر على المواجهة المباشرة. ومن اللافت أن الاتصالات بين المسؤولين الإيرانيين والخليجيين استمرت حتى بعد وقف إطلاق النار في نيسان/ أبريل 2026.
بالنظر إلى المستقبل، من المرجح أن يشجع الاعتماد المشترك على مضيق هرمز على قدر من التعاون بين دول المجلس وإيران لإدارة تدفقات الشحن، لكن مقاربات دول المجلس تجاه إيران يُتوقع أن تتباين دون وجود استراتيجية موحدة لما بعد الصراع. فقد بدأت هذه الاختلافات بالفعل في الظهور؛ إذ تواصل سلطنة عمان إعطاء الأولوية للحوار وتبقي السعودية باب المفاوضات مفتوحًا، بينما تتبنى الإمارات موقفًا أكثر تشددًا من خلال إجراءات تستهدف الشبكات المرتبطة بإيران. ومن المرجح أن تتسع هذه الفجوات مع مرور الوقت، مع قيام كل دولة بإعادة ضبط سياساتها وفقًا لتصورها الخاص للتهديدات ومصالحها الاقتصادية وشراكاتها الخارجية.